لا هموم مشتركة بيننا وبين العائدين

أرشيف (1999) مقابلة في صحيفة الحياة


عمليًا الكتابة بالعربية هي دائمًا كتابة بلغة مكتسبة لأن الفصحى هي لغة ثانية لدى العربي يتعلمها مثلما يتعلم الإنكليزية والفرنسية. اللغة الأم لدى العربي هي اللهجة العاميّة والفصحى هي اللغة التي يترجم اليها...


لا هموم مشتركة بيننا وبين العائدين


لم يصلنا من شعر الداخل فلسطين 1948 إلا أصوات قليلة تبعًا للحصار الذي عاشه الفلسطينيون هناك على ان معظم الأصوات التي وصلت لم تكن خالية من الحماسة التي وسمت الشعر النضالي: كيف يمكنك أن تختصر ملامح التجربة الشعرية الفلسطينية في الداخل؟


- العالم العربي من حولنا كان في حاجة الى هذا الشعر مثلما كنا نحن في حاجة اليه. لقد كان في هذا الشعر الحماسي نوع من حبوب التهدئة التي تخفّف أوجاع الصدمة التي انتابته مثلما انتابتنا. لقد لعب هذا الشعر دوره وانتهى هذا الدور الآن. في الوقت نفسه كانت هنالك أصوات أخرى دائمًا على الساحة غير أن الساحة الأدبية العربية كانت تبحث عن أشياء أخرى ولهذا لم تنتبه الى وجودها. الساحة الأدبية العربية كانت مشغولة بذاتها ولا تريد الانفتاح ولعل هذه الذهنية أحد أهمّ مسبّبات الهزائم العربية. حتى العام 1967 كان الحصار تامًّا. نحن من طرفنا نحمد الله على حدوث هزيمة 67 لأنّها دفعت العرب الى البحث عن اسرائيل هذه فكان أن عثرت علينا من خلال هذا البحث.

يجب ألا يغيب عن ذهنك أن التجربة الشعرية لدينا قد بدأت من الصفر لأن المدينة الفلسطينية لم تبق ولأن الثقافة الفلسطينية لم تبق في الوطن بل خرجت ولجأت الى بلاد العرب المحيطة. البداية حماسية لأنها كانت تهدف الى بعث الأمل لدى الأقلية الباقية على ترابها. الآن لحسن الحظ تغيّرت الأمور ولم تعد الحماسة تجتذب الأجيال الجديدة لأنها كشفت عن عوراتها وظهرت للجميع أنها كاذبة مثلما هي الحماسة دومًا.

الآن بعد أوسلو ظهر جليًّا لنا نحن العرب الباقين في الوطن أننا استثنينا من كل الحلول المطروحة، ولذلك، شعريًّا، هنالك عودة الى ذاتية ما وهنالك محاولات للتعامل مع الشعر والأدب والفن بصورة أصدق وأعمق.


هل تعتقد أن ثمّة مناخًا مشتركًا يمكن أن يجمع ويصهر أدب الداخل وأدب المنفى؟ وما هي ملامح هذا المناخ؟ في معنى آخر: هل هناك أدبان فلسطينيان كما هو شائع: أدب الداخل وأدب المنفى أم أنّ هناك أدبًا فلسطينيًا واحدًا سواء أكان في الداخل أم في الخارج؟


- الأدب هو جغرافيا ولأن الجغرافيا الفلسطينية مجزأة مثلما هي الجغرافيا العربية على العموم فلا يوجد مناخ مشترك بيننا نحن وبين ما يُكتب في الشتات. الجغرافيا تخلق الهموم ولذلك فالهموم مختلفة. قد يحدث نوع من التمازج بين أدب العائدين الى مناطق السلطة الفلسطينية وبين أدب الباقين، ولكنّي ألاحظ أن هنالك توترًا بين هذين الأدبين. العائدون بدأوا يكتشفون ذواتهم من جديد بينما الباقون قد تخطّوا هذه المرحلة. ولكن لا يمكن الحديث عن أدبين بل عن آداب فلسطينية كثيرة، وآداب عربية متعددة، الا ان اللغة تبقى في نظري هي المحك الأول والأخير.


انطلاقًا من هنا، كيف تفهم انتماءك الى الشعر الفلسطيني خصوصًا وأن شعرك لا ينتمي الى الخطاب الفلسطيني النضاليّ الذي ساد فترة؟

أنا مثل الجميع كبرت على الشعر النضالي وكنت أظن لفترة من الزمن أن هذه هي غاية الشعر. لكن، ولحسن حظي، عرفت كيف أنزع عني هذا القيد الزائف.
انتمائي هو أكثر عربيًا منه فلسطينيًا لأن اللغة في نظري هي الأساس. الأدب عربي والتراث عربي وليس الحديث عن الفلسطينيين هنا إلا حديثًا عن خصوصية فردية ضمن الاطار العربي العام. على كل حال هذا ما أريد له أن يكون وأرجو ألا يخيب ظنّي مرة أخرى.


الثقافة الفلسطينية العائدة كيف تنظر اليها: كيف من الممكن أن تتواصلوا معها؟ وهل من هموم مشتركة؟

- كما ذكرت لا يوجد هموم مشتركة بين أدب العائدين وأدب الباقين لأن كلًا من هذين الأدبين يبحث عن شيء آخر. العائدون يعيدون اكتشاف ذواتهم بينما نحن تخطينا المرحلة ونبحث عن مخرج من هذه النقطة الضيقة. إذا حدث والتقينا أحيانًا على الطريق كان به والا فلا بأس في ذلك أيضًا.


أنت تكتب بالعبرية وقد ترجمت اليها بعض الأعمال الفلسطينية محمود درويش، سحر خليفة...: ماذا يعني لك كفلسطيني أن تكتب بالعبرية؟

- في المرحلة الثانوية كان لدي شعور عدائي للغة العبريّة لأنها فرضت علينا فرضًا، لكني مرة أخرى أفلحت بسرعة في الإفلات من هذا المأزق. لقد تعرفت على الشعر العالمي من خلال العبريّة أولًا بسبب الحصار العربي الذي كان مفروضًا علينا. وثانيًا لأن الترجمات الى العبرية بصورة عامة أكثر دقة من الترجمات الى العربية. الترجمة الى العبرية تحدث عادة من اللغة الأصلية، وهذه ليست الحال في كل الترجمات التي تنشر بالعربية.

عمليًا الكتابة بالعربية هي دائمًا كتابة بلغة مكتسبة لأن الفصحى هي لغة ثانية لدى العربي يتعلمها مثلما يتعلم الإنكليزية والفرنسية. اللغة الأم لدى العربي هي اللهجة العاميّة والفصحى هي اللغة التي يترجم اليها، لذلك إذا امتلك العربي لغة أخرى غير العربية وتمكن منها تصبح الكتابة لديه بهذه اللغة حالة طبيعية. الكتابة لدينا بالعبرية مثل الكتابة بالفرنسية لدى المغاربة ولدى اللبنانيين وهكذا يجب النظر اليها.

في نهاية المطاف الكتابة دائمًا ذاتية واللغة هي أداة فقط، وأستطيع أن أؤكد لك أنني لو تمكنت من اللغة الصينية مثلًا لكتبت شعرًا بالصينية، لأن الشعر لغة بحد ذاتها تلبس أقنعة مختلفة واللغة قناع، لكنها قناع شفاف وما على الكاتب إلا الاهتمام بما يوجد تحت هذا القناع.



هل من علاقة تجمعك بالشعر العبري؟

- أنا أقرأ الشعر العبري وأتابع ما ينشر كما أترجم من الشعر العبري الى العربية ومن الشعر العربي الى العبرية. كل قراءة هي عملية تزاوج وتمازج، والحال مع العبرية قد تكون اشكالية للوهلة الأولى، غير أنه يجب الحذر من هذه النظرة لأنها قد تدفع الى قراءة خاطئة للمشهد الشعري. مثلما استوعب من العبرية أشياء أقدم لها صوتي وحالتي وقد يكون هذا الصوت وهذه الحالة فيهما نوع من الغرابة على العبرية لكنهما يُربكان قراء العبرية. هذا الإرباك هو غاية الكتابة في أي لغة كانت. الكتابة الفلسطينية بالعبرية هي غاية غايات الإرباك.


هل من الممكن الكلام عن شعر عبريّ واحد إذ من الواضح أنّ ثمة شعراء عبريين وليس من شعر عبري واحد: شعراء أتوا من أوروبا وأميركا وسواهما وراحوا يكتبون باللغة العبرية؟

- سؤالك هذا قد يكون صحيحًا في سنوات الأربعين وبداية سنوات اسرائيل، لكن اليوم وبعد أكثر من خمسة عقود هنالك جيل آخر كبر في اسرائيل مع كل الخصوصيات التي يحملها هذا المكان.

لقد كان ذلك صحيحًا في الماضي حيث كان يمكن الحديث عن آداب الأمة العبرية ان كانت جاءت من أوروبا أو من المشرق والمغرب، أمّا الآن فهنالك أدب عبري واحد بقدر ما هنالك أدب عربي واحد.

لا تنس أن هذا المكان صغير جدًا قياسًا الى العالم العربي، وكل ما يكتب يصل بسهولة الى القارىء العبري وهذا بدوره يخلق بوتقة تنصهر فيها حالات وثقافات لا حصر لها.

---



سلمان مصالحة : شاعر من الداخل . لا هموم مشتركة بيننا وبين العائدين


Sharing: