مرزوق حلبي: الشعر لم يبرح أماكننا

مرزوق حلبي

الشعر لم يبرح أماكننا


لو أنّ النصوص التي تضمها مجموعة "ريش البحر" وقعت أمام ناظريّ بدون توقيع كاتيها، لعرفت هويته. فقط سلمان مصالحة قادر على مثل هذه الصياغات والأفكار والصور، وعلى مثل هذه النصوص. ويخيل إليّ أنه يكتب الشعر مثلما يحكي ويتكلم. تهكّم وسخرية ونزق وغضب ومفارقات ودهشة. وكلها تستند إلى فكرة تشكل هيكلاً تتعمشق عليه الموتيفات الباقية.



نصوص المجموعة متنوعة من حيث مواضيعها وأشكالها لكنها تعكس كلها هذا التنوع والتعدد في الألوان والأطياف وزركشة الفضاءات التي تنشئها فوق رأس المتلقّي.

الملاحظ أن النصوص تعكس الهوية المركبة للشاعر، فلسطينيته وعروبته وإنسانيته. ففي الخانة الأولى يأخذ الشاعر دور الراوي لقصة الألم والحزن والضحيوية. وفي الخانة الثانية يبدو نقديا تزقا غاضبا على قومه والموروث الجمعي وحتى على قواعد اللغة وقوانينها. وفي الخانة الثالثة يطلع علينا صديقا ومتفكرا وشموليًا تتسع مداركه حدود الكون. لكنه في كل هذه الخانات يظهر لنا مرهف الحس يلتقط الإشاراتو يرى المخفي، ويدرك المضمر ويحول كل ذلك إلى صور وإيحاءات ومقولات.

والملفت للنظر هاجس الشعر الذي يسكن النصوص وكاتبها، فنراه يحكي عن حالة الشعر وعن دوي القصيدة. فإذ بالشعر ليس حالة وجد قد تأتي أو لا تأتي كما كان الاعتقاد، وهو ليس إشراقة لمرة واحدة كل عام، بل هي حالة مستديمة، طريقة حياة اختارها الشاعر على ما يترتب عنها من جهد ومعاناة وامتيازات أيضًا.
اللغة، وهي مهنة الشاعر، لها حضور خاص في هذه المجموعة. يبدو أن الكاتب على علاقة وثيقة بها، علاقة ود وعشق وتسمح له باستخدامات غير مألوفة وبحركة حرة بين حاضرها وماضيهاو بين الجديد من صياغاتها وتشكلاتها وبين القديم منها. والشاعر هنا إثبات غير قابل للدحض على أن العلاقة الحبيّة بين الكاتب واللغة شرط أساس لولادة الشعر والصورة الشعرية والإيحاء الشعري.

نقطة الوهن في هذه المجموعة كامنة في النصوص الذاتية النرجسية للشاعر. هناك تتلعثم اللغة ويتوقف الص عن انسيابه. وكان الأجدر بالشاعر لو أبقاها خارج دفّتي المجموعة، فهي تظرف النظر وتجعلالمتلقي يتململ بغير ارتياح ومضطرا لرفع حاجبيه أو تقطيبهما أو الانتقال للصفحة التالية.
هناك جمالية تربط كخيط الحرير الذي ينظم حبات الخرز بينما تحاشر نصوص النرجسية أن تنغرز في الخيط دون جدوى. وحال قصيدة "نداء القصيدة" يشبه حال القصائد الذاتية، ففيها ألوان ابتذال الأمر الذي يجعلها على بعد سنةضوئية من النصوص الأخرى، وبالأخص من النص الذي سبقها بعنوان "وطن الشعر"، فلماذا هذا الانتقال من شامخ عال إلى خفض؟

على أيّ حال، النصوص الواردة واضحة السياق مرصعة بالأمكنة، أمكنة الشاعر وواقعه المولف من دوائر. فله سريره وغرفته وشباكه وسيچارته، والسيچارة مكان الوحيد، وكذلك القهوة العربية. وله القدس حيث يعيش منذ عقدين وأكثر، وله غزّة وله الجليل حيث ولد "بين بحيرة الجليل وبحر الروم"، وله بودابست وسطروچا، وله الصداقة مساحة، وله الغربة حالة.

الشاعر في نصوصه يعيش تحولات وتبدلات ذات ألوان إيجائية تدلنا وتؤشر على ثقافته باعتبارها الفضاء الرحب الذي يتيح السفر والحالة الشعرية، فلا شعر خارج الفضاء الثقافي. الثقافة شرط لتكوين الفضاء الشعري، فالتفعيلة لا تكفي ولا الوزن ولا القافية، وإن كانت تضيف إليه وتزينه.

"ريش البحر"، المجموعة الشعرية الرابعة لسلمان مصالحة تثبت أن الشعر لم يبرح أماكننا رغم كل المتطفلين والراغبين بصداقته عنوة والمدّعين زورا وبهتانا. ولعل من الجميل أن أنهي بما كتبه في قصيدة "وطن الشعر" في الفقرة الثالثة:

"هي كلمة حُبلى ببدء الخلق
فارتقبوا هلالاً طلّ من تشرين
سينفضّ كلّ ما كتبوا، وينفض
كلّ ما دفنوا ببطن اللّيل، وبعد
تفتّق النجمات في كفّيه، سيبحر في
مراكبه التي انطلقت بلا شطآن أو مرفأ،
وحين يعود بعد اليوم أدراجه،
فلن يلوي على أحد، ولن يلوي
على بلد، فليس لجسمه كفن
وليس لشعره وطن".
ــــــــــ

نشر في: أسبوعية "فصل المقال"، 16 يوليو 1999



Sharing: